أحمد مصطفى المراغي

130

تفسير المراغي

وإنما قالوا برب هارون وموسى ولم يقصروا على قولهم ( رب العالمين ) لأن فرعون كان قد ادّعى الربوبية فقال : « أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى » والألوهية إذ قال : « ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي » فلو قالوا ذلك فحسب لقال فرعون : آمنوا بي ، وإنما لم يقتصروا على ذكر موسى بل ذكروا هارون وقدموه عليه خوفا من هذه الشبهة أيضا ، إذ أن فرعون كان يدعى ربوبيته لموسى ، لأنه رباه في صغره كما قال : « أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً » . ولما خاف فرعون أن يصير ذلك سببا لاقتداء الناس بهما في الإيمان باللّه ورسوله ألقى شبهة في النبي ونبوته . ( قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ ) أي إنكم قد فعلتم جريرتين وارتكبتم جرمين : ( 1 ) إنكم آمنتم له قبل البحث والتفكير ، فإيمانكم لم يكن عن بصيرة وأناة فلا يعتدّ به . ( 2 ) إنكم تلاميذه في السحر ، فتواطأتم على أن تظهروا العجز من أنفسكم ترويجا لدعوته وتفخيما لأمره . وبعد أن أورد هذه الشبهة اشتغل بالتهديد تنفيرا لهم من الإيمان ، وتحذيرا لغيرهم عن الاقتداء بهما فقال : ( فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ) أي أقسم باللّه لأقطّعنها مختلفات ، بأن تقطع الأيدي اليمنى والأرجل اليسرى ، وإنما اختار ذلك دون القطع من وفاق ، لأن فيه إهلاكا وتفويتا للمنفعة . ( وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ) زيادة في إيلامكم وتشهيرا بكم . وخلاصة ذلك - لأجعلنكم مثلة ، ولأزيلن مالكم من منافع ، ولأشهرنّ بكم ، قال ابن عباس : فكان أول من عذب بهذا العذاب . ( وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى ) أي ولتعلمن أنا أو موسى أشد عذابا وأبقى .